السيد كمال الحيدري

37

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

الفعل الإنسانى وتجميد كثير من الأشياء ، فأفضى إلى تأخّر فظيع ساهمت فيه بلا ريب عوامل أخرى ، لكن بدا وكأنّ المعنى الديني هو في طليعة هذه الأسباب . أمّا الغربيّون فقد انطلقوا في علاقة عنيدة مع الطبيعة توسّلوا فيها بكلّ ما هو متاح ، بعيداً عن الدين ورؤيته في هذا المجال ، فجاء ما أحرزوه من تقدّم مادّى هائل على هذا الصعيد في ظلّ رؤية توحى أنّ ما حصل تمّ بفعل الابتعاد عن الدين ! والحال أنّ الرؤيتين كلتيهما خاطئتان . فليس في الإسلام إذا ما خرجنا عن نطاق الرؤية الأشعرية ما يمنع من اقتحام الطبيعة ، واكتشاف قوانينها ، وإحراز التقدّم تلو التقدّم في مضمارها . كما أنّ اختزال التقدّم بمعناه التقنى المادّى « 1 »

--> ( 1 ) يرى الباحث فهمي جدعان أنّ اختزال التقدّم بمفهومه العلمي التكنولوجى الذي غرقت به البشرية المعاصرةهو فهم خطير « انتهت إليه العقلية الغربية » وهو إلى ذلك : « ربّما كان أجسم أخطاء هذا العصر » . فالمرادفة بين التطوّر المادّى على المستوى العلمي والتقنى بمعناهما المعاصر وبين التقدّم الانساني شوّه مفهوم التقدّم عند الأمم والشعوب السابقة ، ونصب المدلول الغربى معنىً وحيداً للتقدّم ينبغي لبقيّة البشرية أن تحثّ الخطى نحوه ، كما أدّى إلى تحميل المفهوم بكلّ ضروب التشاؤم والمرارة والخوف التي باتت تهدِّد حاضر البشرية ومستقبلها نتيجة التطوّر العلمي والتقنى في مضمار السلاح والاقتصاد وأجهزة الاتّصال ، وما يفضى إليه ذلك من دمار عسكرى ونهب للثروات وتلويث للبيئة . ينظر : أسس التقدّم عند مفكِّرى الاسلام في العالم العربي الحديث ، د . فهمي جدعان ، المؤسّسة العربية للدراسات والنشر ، الطبعة الثانية ، بيروت ، 1981 ، ص 11 فما بعد . على أنّ الأمر في اختزال التقدّم ببعده المادّى وما يفضى إليه من مخاطر ، لم يعد يقتصر على كتاب من عالمنا العربي والاسلامي ( الأطراف ! ) بل ربما كان أكثر شيوعاً في الغرب نفسه ( المركز ! ) . ينظر على سبيل المثال : السيطرة على المستقبل ، فرانسوا هيتمان ، ترجمة كمال خورى ، دمشق ، 1981 ؛ عوالم الاقتصاد الثلاثة ، لويدج . رينولدز / / ترجمة نايف حسين العطوانى ، دمشق ، 1982 ؛ المجتمع الحديث في أبعاده الأساسية ، جزءان ، ترجمة : وجيه أسعد ، دمشق ، 1982 .